الرئيسية / منتديات الوعد / مقالات رأي / المواطن التّونسي : ضحيّة أم مذنب ؟
مواطن-تونسي

المواطن التّونسي : ضحيّة أم مذنب ؟

كيف يُخرب المواطن التونسي وطنه و يجعل نفسه شريك في جرائم ضد الإنسانية دون علمه ؟

لن نسرد عليكم أفعال رجال السياسة في تونس بقدمائهم و بشبابهم فكلكم تعرفونها دون شك. لم يعد يخفى عن أحد أن الآليات الإنتخابية التي وضعتها منظمات أجنبية و مررتها هيئة عياض بن عاشور ثم اعتمدتها هيئة الجندوبي في 2011 ثم قامت بإعادة تثبيتها هيئة بو صرصار في 2014 هي آليات نتائجها كارثية و تُفرز لنا أشخاص يحكمون البلاد من أنذل و أرخص و أكثر الناس انتهازية و طمعا في تونس.

الأحزاب في داخلها ليست ديمقراطية و دائما المجموعة التي تملك شبكات التمويل داخل الحزب تتحكم في كل شيء و تقوم بالطبع بدعم من تتأكد من ولائه التام و الغير المشروط. الولاء التام هو الشرط الوحيد بالآليات الحالية التي تتكون على أسسه القائمات الإنتخابية و بذلك ، بالضرورة ستفرز الإنتخابات ممثلين لا علاقة لهم بالشعب بما أنهم منذ البداية باعوا أنفسهم لمن أدرجهم في قائمة و مول حملاتهم و صولاتهم و جولاتهم.

ربما هناك من سيقول لي أن هذا هو الحال في العالم أجمع و أننا لا نملك أي خيار آخر.

هو الحال في أغلبية الدول المعروفة بأنها ديمقراطيات عريقة مثل فرنسا و أمريكا و إنقلترا و غيرهم ففي كل هذه الدول ، غالبا ما تكون سياسات الدولة تتعارض مع إرادة و طموحات الشعب و دائما هي سياسات تثقل كل أعباء الوطن على المواطن البسيط و في المقابل تحمي رأس المال و البنوك التي حتى إن تكبدت خسائر عابرة ، تقوم الدولة بتعويضها بسرعة عن خسائرها من المال العام. كل هذه الدول أصبحت تُهمش القطاع العمومي و تشجع القطاع الخاص و ذلك في كل المجالات بما فيها التعليم و الصحة و التغطية الإجتماعية و التأمين على المرض …

كل شعوب هذه الدول عرفت تدهورا كبيرا في مستوى معيشتها و في قدرتها الشرائية منذ بداية الثمانينات مع أن إنتاج الثروات في العالم لم يكف عن الإرتفاع حجما و قيمة طيلة هذه السنوات و لكن كل الثروات التي يقع إنتاجها لا تتمتع بها إلا فئة قليلة.

بعد الحرب العالمية الثانية بدأت الإكتشافات العلمية فإيجاد تطبيقات في كل المجالات و مكن التقدم التكنولوجي الصناعة من مضاعفة قدرتها على الإنتاج عشرات المرات بنفس التكلفة ، ثم مكن البترول هذه الصناعات من مصدر للطاقة متوفر و رخيص الثمن نسبيا و عرفت الإنتاجية قفزة زاد علوها في الثمانينات بعد أن أصبحت الصناعات ترتكز على روبوتات و تطبيقات إعلامية متطورة.

في الخمسينات قام العلماء بدراسات لمحاولة معرفة تأثير الثورة الصناعية و التكنولوجية على الأجيال القادمة ، فتكهنوا أن التكنولوجيا ستجعل يوم العمل عند الإنسان لا يتعدى الـ4 ساعات و أن سن التقاعد سينزل لل 50 سنة و ذلك لأنهم تكهنوا أن الصناعة و الفلاحة و كل قطاعات الإقتصاد لن تتخلى عن العمال ، بل ستمكنهم من جرايات و ضمانات أحسن بساعات عمل أقل و ذلك حتى يستفيد الجميع من الثروة الهائلة التي ستخلقها التكنولوجيا. تكهنت الدراسات أن الإنسان سيصبح يكرس أكثر وقت للثقافة و العلم و الفن و الإبداع و أن ذلك سيجعل العالم يتقدم بسرعة أكثر و يرتقي بنسق تصاعدي في مناخ يعمه السلام …

لكن و منذ الثمانينات ، بعد نهاية الفترة الذهبية التي عرفها الغرب ، بدأت القدرة الشرائية للمواطن في التدهور في كل هذه الدول و قامت القطاعات الصناعية و الفلاحية بطرد العمال غالبا دون تعويضات و تمكنت فئة معينة عن طريق النظام البنكي و المالي الخاص و عن طريق رجال سياسة و أحزاب غالبا تقوم بتمويلها نفس الفئة من تمرير قوانين و قرارات سمحت لها بالتمتع وحدها بالثروة الهائلة التي خلقتها التكنولوجيا مع أنها تمثل تراكمات من الإكتشافات و الإختراعات العلمية التي عرفتها الإنسانية و من المفروض أن تتمتع الإنسانية جمعاء بثمار هذه التكنولوجيا و لا فئة قليلة بعينها.

هذه الأنظمة ربما تبدو ديمقراطية في ممارساتها السياسية و لكنها في الحقيقة ليست كذلك ، ففي فرنسا مثلا و منذ الثمانينات ، تتعاقب الحكومات ، يمينية ، يسارية و لكن سياسات الدولة واحدة لم تتغير و دائما يشتكي القطاع العام من عجز بينما تتمتع الشركات الخاصة الكبرى بالمال العام و ذلك عبر الإمتيازات الجبائية أو الدعم المباشر و الغير مباشر. غالبا تتسبب ممارسات هذه البنوك و الشركات في أزمات إقتصادية و غالبا ما يدفع الشعب خسائر هذه الأزمات بينما تستغل الشركات الكبرى هذه الأزمات للإستيلاء على شركات أصغر منها بأسعار بخسة و تقوم البنوك بافتكاك أرزاق الالناس و مصادر عيشهم.

رغم أن أنظمتهم ليست ديمقراطية بالمفهوم السياسي لأنها في الواقع لا تسمح للشعب بتقرير مصيره إلا أنهم يتمتعون بصحافة و إعلام أكثر حرفية من صحافتنا و إعلامنا و أكثر موضوعية و بالأخص ، يصعب تكميمه. يتمتعون كذلك بقضاء أكثر استقلالية من قضائنا و بجهاز أمن حرفي ، يحترم القانون في غالبه و خاصة يحترم المواطن. بالطبع ، لهم فساد في القضاء و الأمن و لكن عموما لا أحد يستطيع أن يضمن لنفسه أو لغيره الإفلات من العقاب إن خالف القانون. إضافة إلى الصحافة و الإعلام و الأمن و خاصة القضاء ، هم يتمتعون بلامركزية حقيقية على مستوى الجهات و المحليات و يمكن لكل بلدة أن تقرر منوال تنميتها و مشاريعها بكل حرية و استقلالية و هذا يجعل المواطن يقرر الحد الأدنى من مصيره.

أما النظام الذي تم اختياره في تونس فهو نظام يرتكز كليا على الأموال التي لا نعرف من أين تأتِ و أين تذهب. تكون الأحزاب قائمات انتخابية باعتماد معيار واحد و هو الولاء و السمع و الطاعة ، هذه القائمات تقوم بحملات انتخابية مُكْلِفة جدا في مساحة تغطي ولاية كاملة و يقطنها مئات الآلاف من السكان و هذا يجعل بصفة آلية الأحزاب الوحيدة القادرة على ممارسة الحكم هي تلك التي لها الموارد المالية التي تُمكنها من النشاط كامل السنة في كامل الجمهورية و القادرة على تمويل حملات انتخابية في كل الدوائر الإنتخابية للجمهورية.

الحزب الذي ينتصر في الإنتخابات التشريعية يكون الحكومة و هذا يجعل من نفس الحزب يتحكم في السلطتين التنفيذية و التشريعية ، أما رئيس الجمهورية فصلاحياته محدودة و تجعله عاجز عن تحقيق التوازن مع صلاحيات الحكومة حتى إن كان من المعارضة. هذا النظام يجعل إذا من يُمول الحزب “الحاكم” هو الذي يحكم البلاد بالوكالة عن طريق “نواب” أقسموا على الولاء التام و السمع و الطاعة لمن مول حملاتهم.

من يُمول “الحزب الحاكم” هو الحاكم الفعلي بالوكالة و يحكم في قوانيننا لأنه المشرع و يحكم في حياتنا اليومية لأنه يُنفذ كذلك تلك القوانين من المركزي إلى المحلي و ذلك دون أي رقابة فعلية. ف”الحزب الحاكم” لن يُراقب حكومة هو الذي كلفها و رئيس الدولة لا صلاحيات له و الولات و العمد و المعتمديين و كل السلطات الجهوية و المحلية يقع تعيينها من طرف “الحزب الحاكم” الذي ينفذ أوامر من موله. لا توجد غرفة ثانية للمراقبة ، لا توجد لامركزية فعلية لأن الفصل 141 من الدستور الأعجوبة ينص صراحة على أن صلاحيات المجالس الجهوية لا تتعدى “إبداء الرأي” كما ورد في النص. هل مجالس صلاحياتها استشارية و لا قدرة لها على أخذ القرار ستُمارس اللامركزية ؟ طبعا لا ، لأن اللامركزية تعني بالضرورة القدرة على أخذ القرار و التنفيذ و إلا فهي ليست إلا وهما ، بالضبط كوهم الديمقراطية المزعومة.

من يمول هذه الأحزاب ؟

أصحاب الأموال هم من يمولون هذه الأحزاب ، أي بالتحديد أصحاب البنوك و الشركات الكبرى في تونس و خارج تونس و هم يمثلون شبكة واحدة لها أهداف مشتركة و في مقدمة هذه الأهداف نجد كسب المال بأي طريقة كانت و خاصة على حساب الشعوب، عن طريق هذا المال ، هم يشترون السلطة و يختارون أصحاب السلطة و يتحكمون في مصير الشعوب.

مئات المليارات التي ينفقونها سنويا على الأحزاب و الجمعيات لا تمثل إلا جزءا ضئيلا جدا من عشرات الآلاف من المليارات التي يقع نهريبها ونهبها و جنيها عن طريق تخاذل من مولوهم في تطبيق القوانين و عن طريق سن قوانين أخرى على المقاس يقع تمريرها من طرف أهل السمع و الطاعة ، مرتزقة السياسة ، و يتكفل الإعلام بتبرير القرار و تهيئة الرأي العام و ربما يتكفل الإرهاب بترويع المواطنين و بجعلهم لا ينتبهون لقرارات كارثية يقع اتخاذها في الخفاء ترهن البلاد و العباد و تسلبها سيادتها بثبات.

مالذي يمنع الدولة من فرض تطبيق القوانين بحذافرها على الأحزاب و أهل السياسة قبل غيرهم ؟ مالذي يمنع الإعلام و خاصة القننوات التي تحظى بنسب مشاهدة عالية أن تفضح كل الإنتهاكات بشدة ؟ لا شيء يمنعهم غير أصحاب الأموال ، هم أهل السمع و الطاعة ، باعوا ذممهم بثمن حملة انتخابية و بعض الفتات و ربما كذلك بعض النساء و الخمر و الملذات و قليل من السلطة الواهية و من النفوذ المؤقت و الإمتيازات المادية السخيفة. لا يمنعهم شيئا إلا إرادتهم الغائبة و غيابها مدفوع الأجر و مضمون بطريقة أو بأخرى.

نراهم كلهم يبررون النهب المقنن لمقدرات الشعب ، نراهم يبررون لإمضاء اتفاقيات تمس من سيادة الوطن ، نراهم يهمشون التعليم و التربية و التنمية و في المقابل يرصدون أموال خيالية لفائدة أصحاب النزل و البنوك و يفرطون لهم في مؤسسات مولها المال العام و في أراض و عقارات بأبخس الأسعار. كل هذا نعيشه في حياتنا اليومية و لكن الأغلبية لا تقوم بالربط بين الآليات الإنتخابية الحالية و دستورهم المخزي و الحياة اليومية للمواطن و مستقبل الأجيال القادمة.

و لكن ، لماذا يُشارك المواطن التونسي في جريمة ضد الإنسانية ؟

هؤلاء الساسة و الأحزاب و الجمعيات و شبكات المال التي تمولهم ، في الحقيقة تحركهم قوة واحدة ترتكب جرائم ضد الإنسانية في العالم بأسره و بأساليب متعددة. هذه القوة تسعى إلى حُكم العالم عبر ما يسمونه بأنفسهم “النظام العالمي الجديد” و هذا بالضرورة يتطلب تدمير الأوطان و مفهوم السيادة الوطنية. لماذا يمولون داعش و جماعات أخرى عبر العالم ؟ لماذا لا يمولون إلا أصحاب الفكر التكفيري المنسوب زورا إلى الإسلام ؟ لماذا ينسبون ما فعله الإنسان باسم دين أخطأ في فهمه للدين عامة ؟ لماذا يفعلون كل ما بوسعهم حتى يجعلوا من الإسلام في أذهان عامة الناس دين الإرهاب ؟ لماذا مولوا و خلقوا الجهاديين في إفغانستان و لماذا طبعوا كتب مدرسية تحرض الناشئة على الجهاد و القتل و لماذا ساندوا و دعموا الوهابيين بكل جوارحهم منذ أكثر من قرن مع أن ممارساتهم متوحشة و دموية و دكتاتورية ؟

أتعتقدون أن آلاف الأطنان من الذخيرة و الأسلحة تصل داعش و أخواتها باستمرار و على مر السنين دون علم مخابراتهم ؟

أتعتقدون أن مئات العربات تقطع الصحراء نهارا دون أن تراها الأقمار الإصطناعية و الطائرات بدون طيار و طائرات التجسس و الترصد و التنصت ؟

أتعتقدون أن آلاف المليارات التي تمول هذه الجماعات تخفى عن البنوك العالمية و مالكيها ؟

نفس هؤلاء ، يمولون الدواعش و يبيعونهم الأسلحة و يتعاملون مع أنظمة ، ربما مثل النظام التونسي و تمول هذه هذه الأنظمة الساقطة الجماعات الإرهابية الصهيونية بشباب تفننت في قهره و تهميشه وقع تجنيده بعلمها و قامت بتحضيره و ذلك باتباع سياسات كارثية على جميع المستويات صنعت قنابل مؤقتة جاهزة للإنفجار في وجه نظام خارب و مجتمع ظالم.

نفس هؤلاء يمولون أحزابنا و ساستنا و يتشاركون مع رجال أعمال متحيلين في تمويل استثمارات تمكنهم من امتلاك الأرض و من استعباد اليد العاملة التونسية المحلية بأجور هزيلة و في ظروف مخزية و كل ذلك دون إضفاء قيمة مضافة و دون نقل للتكنولوجيا و دون استثمارات وطنية في القطاعات الإستراتيجية على المدى الطويل لضمان استقلالية و سيادة الوطن و لضمان خدمات عمومية و اجتماعية و بنية تحتية ذات جودة عالية و في تقدم مستمر.

تعرفون جيدا أن أحزابكم لا تصرح بمصادر تمويلها

تعرفون جيدا أن نواب مجلس باردو و كبار المسؤولين لم يصرحوا بأموالهم و ممتلكاتهم.

تعرفون جيدا أن أحزابكم تسعى بكل جهدها للتطبيع مع الصهاينة

تعرفون جيدا أن أكثر من 16000 جمعية “تسرح في الطبيعة” بكل حرية و لها حسابات بنكية و تمويلات أجنبية لا يراقبها أحد

تعرفون جيدا علاقة الباجي بالإمارات و علاقة الغنوشي بالأمريكان و علاقة محسن مرزوق بالشيخة موزة و قطر و فريدم هاوس و علاقة الإتحاد و اليسار باليسار الفرنسي و علاقة ياسين براهيم بروتشيلد و حكيم القروي و اليمين الفرنسي و علاقة شفيق جراية بالطرابلسية …

تعرفون جيدا أنهم لا يجرؤون على المطالبة و الضغط لاستعادة بن علي و محاكمته و استعادة كل أمواله و أموال عصابته و ممتلكاتهم في الخارج

تعرفون جيدا أنهم لا يعملون على مقاومة الفساد و لا يريدون استقلال القضاء و لا يريدون حكم شفاف و لا يريدون القضاء على اللإفلات من العقاب و تعرفون جيدا أنهم لا يعملون على مقاومة التعذيب و مظاهر التخلف و لا يعملون على تكوين أمن جمهوري و دولة قانون و مؤسسات حقيقية.

تعرفون لفائدة من هم يعملون و كيف يتمكنون من الهيمنة على أجهزة الدولة و كيف يقومون بتخدير الرأي العام و ذلك بإغراقه في المشاكل اليومية و الديون و الإرهاب و المسلسلات و خاصة عبر الأبواق الإعلامية المدفوعة الأجر التي تعمل دائما على نشر الفتنة و غض النظر عن كشف الحقيقة و عن المواضيع المحورية التي توحد الشعب في طموحاته و أهدافه ؟ فنجدهم مثلا لا يتحدثون عن اتفاقية مشبوهة قام بإمضائها شخص لا علاقة له بالحكومة و منتحل صفة و وظيفة زورا أمام أنظار العالم بأسره. نجدهم مثلا يتجاهلون موضوع تمويل الأحزاب و الجمعيات و لم يتطرقوا أبدا في تاريخهم إلى شيء يُدعى النظام العالمي الجديد و كأنه لم يوجد أصلا و كأن بوش الأب لم يعلن رسميا يوم 11 سبتمبر 1991 للعموم أنه ، أي النظام العالمي الجديد من الأهداف الرئيسية لكل الحكومات و الإدارات الأمريكية و بالطبع ، كل من يصبح حليف رسمي لأمريكا ، فهو سيكون ملزم بأجنداتها و أهدافها … و هذا الإلتزام يكون دائما على حساب سيادة الشعب و مصالحه.

هل منكم من ينكر أنه على علم بكل هذه المعطيات ؟ أنتم تعرفون و لكنكم تتظاهرون بالجهل لأن ذلك أسهل لكم و فيكم من هو منغمس في حياته اليومية و لا يكترث بما يدور حوله و لكن هناك كذلك من يستكرش عن وعي أو عن غير وعي من المنظومة مما يجعله يدافع عنها و عن إجرامها.

سوى كنا نتجاهل ما يدور حولنا أو كنا لا نكترث و لا نبالي أو كنا نستغل فساد المنظومة للعيش على حساب الغير ففي كل الحالات نحن شركاء لنظام يقترف جرائم ضد الإنسانية.

تعرفون أن آلياتهم مغشوشة فلماذا تقبلون بها ؟ لماذا تنخرطون في تمثيليات انتخابية نتائجها ستكون حتما كارثية على الوطن ؟ لماذا تقبلون أن يحكمكم أكثر الناس انتهازية و طمعا و خيانة للوطن ؟

تقولون أن لا خيارات لديكم ، تقولون أنكم لم تجدوا البديل و لكنكم في نفس الوقت لا تبحثون بجدية عن البديل.

تعتقدون أن البديل هو حزب أو شخص ، أما الآليات التي تأتي بالأشخاص و الأحزاب تتجاهلونها و تتعاملون معها و كأنها نصوص مقدسة لا يمكن مناقشتها أو تغييرها. ما هذا المنطق ؟ نفس الآليات ستأتي دائما بنفس الأشخاص حتى إن كانت وجوههم و خطاباتهم مختلفة ، أليس هذا بديهي ؟

الخيارات موجودة و هي قابلة للتطبيق بسرعة و من شأنها أن تغير الواقع التونسي نحو الأحسن في وقت قصير و بطريقة ديمقراطية و متحضرة. البديل لا يكمن في الأشخاص و لكنه يكمن في المشاريع و الآليات و القوانين و الأفكار التي تمكن فعلا من ضمان حكم رشيد يشارك فيه الشعب في تقرير مصيره و يُراقب حكامه و يتمتع بسيادته و خيراته و مقدراته كاملة. لن نستطيع بناء وطن بنظام يُهجر شعبه و يقمعه ، بل يجب أن يحس كل مواطن أن الأرض أرضه و أنها توفر له العيش الكريم و أنه يشارك فعليا في تطويرها و يأكل من خيراتها دون ظلم و ذل و رخص حتى يعرف كل فرد قيمة الوطن و حتى يدافع عنه و يحرسه و يضحي من أجله بحياته و بكل ما يملك.

تريدون البترول ؟ تريدون السيادة الوطنية ؟ تريدون الشغل و الكرامة ؟

هل تعتقدون أن هؤلاء الذين أفرزتهم الآليات التي سبق ذكرها سيعملون بصدق على تحقيق ذلك ؟ هل تعتقدون أن تلك الآليات ستفرز يوما أشخاصا أو أحزابا تحقق لكم طموحاتكم ؟ هذا مستحيل حتى في عالم الأحلام فهم ملزمون بالسمع و الطاعة لفئة كل همها هو كسب المال كوسيلة تمكنهم لاحقا من حكم العالم بأسره.

البديل لن يكون ممكنا قبل تغيير الآليات الإنتخابية التي تفرز حكامنا و الدستور الذي يحدد طريقة الحكم …

ما دمتم تقبلون بهذه الآليات و لا تجرؤون حتى على مناقشتها و بما أنكم تقبلون المشاركة في انتخابات وهمية تفرز لكم حكاما من طينة اللصوص و الطماعين و العملاء فأنتم حتما تشاركون في جريمة عظمى و أقل الإيمان يكون رفض المشاركة في هكذا خدعة ؟

انتخابات بلدية تفرز مجالس جهوية لا صلاحيات لها هي مجرد خدعة فلماذا نحس أنفسنا مجبرون على المشاركة فيها و القبول بها ؟ ستتكون مجالس بلدية بصلاحيات محدودة ، أما السلطة و أخذ القرار فهم بين أيدي الحكومة التي تنصب الوالي و المعتمد و العمدة و رئيس المنطقة … إذا ، لماذا نضفي شرعية على انتخابات بلدية ليست إلا خدعة ؟

انتخابات تشريعية ؟ بينا سابقا بالدليل و الحجة أنها ستعطي الحكم بصفة آلية للأحزاب التي تعهدت بالسمع و الطاعة لأصحاب الأموال و بذلك فهي لا تسمح للمواطن بالإختيار بل تفرض عليه اختيارات بعينها مسبقا و بذلك تصبح هذه الإنتخابات مجرد خدعة ، لماذا تشاركون في عملية تحيل ؟ ألا يمكنكم رفض هذه الآليات و اقتراح غيرها ؟

أنا عبدكم الفقير ، كاتب هذه السطور المتواضعة ، بالتأكيد أتبنى مشروعا بديلا لأنه حسب قناعاتي يقطع الطريق على لصوص الحكم و يمكن الشعب من ممارسة سيادته بطريقة فعلية و لكنني لن أحدثكم الآن عن المشروع الذي يقنعني ، بل سأحاول إقناعكم أولا أننا من المستحيل قطعا أن نجد حلولا لمشاكلنا بآليات مثل تلك الموجودة حاليا و ثانيا ، سأحاول إقناعكم أن الآليات التي فرضوها علينا جميعا بالتحيل و بأساليب مخادعة ليست مقدسة و يمكن ، بل يجب فرض تغييرها إن أردنا الإرتقاء بأنفسنا و بوطننا.

مجرد إقناعكم بأن البديل لا يكمن في الأشخاص قدر ما يكمن في الآليات التي تمكن الشعب من اختيار حكامه و من ممارسة حقه في مراقبتهم و محاسبتهم يبدو و كأنه عمل جبار لم ننجح في إنجازه إلى حد الآن رغم أننا نحاول منذ 2011.

ما دمنا كشعب مثقف و واع ، نقبل بحكم هؤلاء و نقبل التعامل بآليات تمكن أمثالهم دون غيرهم من الهيمنة على السلطة و أجهزة الدولة ، إذا نحن دون شك شركاء في كل جرائمهم و الأغلبية تجهل مدى بشاعة تلك الجرائم. سيكون التحرر من جرائمهم مستحيل ما دمنا لم نفرض قبل كل شيء تغيير الآليات التي تجعلهم ينفردون بالسلطة و يعبثون بالبلاد و العباد فكيف لنا أن نلعب مع القرد …. بشروطه و بقوانينه و بحكامه و جمهوره ، ثم بعد ذلك نلعب دور الضحية و نتهم فلان أو فلتان و نتملص من المسؤولية ؟ الأمور لا تسير على هذا النحو ، نحن سندفع ثمن مشاركتنا في جرائمهم و سندفع ثمن قبولنا بحكمهم و ستلعننا حتما الأجيال القادمة … التاريخ لا يرحم و الله يعلم ما في الصدور …

بقلم : ق.قروي

 

عن قسم الأخبار

Profile photo of قسم الأخبار

شاهد أيضاً

زياد الهاني

زياد الهاني: “البجبوج والمناورة من قدام للانقضاض من تالي”!!

الوعد التونسي: تونس : زياد الهاني: البجبوج تفطن إلى أن ثعلوب المزروب يلعب بذيله مع الباب …

اترك رد